المقريزي
330
المقفى الكبير
فاضطرب ثمّ قال : أي منزل نحن فيه ؟ قالوا : بكربلاء . قال : يوم كرب وبلاء . فوجّه إليه ابن زياد عمر بن سعد بن أبي وقّاص في أربعة آلاف . وكان استعمله قبل ذلك على الريّ وهمذان ، وقطع ذلك البعث معه . فلمّا أمره بالمسير إلى الحسين تأبّى ذلك وكرهه واستعفى منه . فقال لها ابن زياد : أعطي اللّه عهدا ، لئن لم تسر إليه وتقدم عليه لأعزلنّك عن عملك وأهدم دارك وأضرب عنقك . قال : إذن أفعل . فجاءته بنو زهرة فقالوا : ننشدك اللّه أن تكون أنت الذي يلي هذا من حسين ، فتبقى عداوة بيننا وبين بني هاشم . فرجع إلى ابن زياد فاستعفاه فأبى أن يعفيه فصمّم وسار إليه . ومع الحسين يومئذ خمسون رجلا ، وأتاه من الجيش عشرون وكان معه من أهل بيته تسعة عشر رجلا . فلمّا رأى الحسين عمر بن سعد قد قصد له فيمن معه ، قال : يا هؤلاء ، اسمعوا يرحمكم اللّه ، ما لنا ولكم ؟ ما هذا الضّنّ بكم يا أهل الكوفة ؟ . قالوا : خفنا طرح العطاء . قال : ما عند اللّه من العطاء خير لكم . يا هؤلاء ، دعونا نرجع من حيث جئنا . قالوا : لا سبيل إلى ذلك . قال : فدعوني أمضي إلى الريّ فأجاهد الديلم . قالوا : لا سبيل إلى ذلك . قال : فدعوني أذهب إلى يزيد بن معاوية فأضع يده في يدي . قالوا : لا ، لكن ضع يدك في يد عبيد اللّه بن زياد . قال : أمّا هذه فلا . قالوا : ليس لك غيرها . [ المفاوضة بين ابن زياد والحسين ] وبلغ ذلك ابن زياد ، فهمّ أن يخلّي عنه ، وقال : واللّه ما عرض لشيء من عملي ، وما أراني إلّا مخلّي سبيله [ 400 ب ] . فقال له شمر بن ذي الجوشن أوس بن الأعور - وقيل : شرحبيل « 1 » - الضبابي : [ أمكنك اللّه من عدوّك فتسيّره ! إلّا أن ينزل في حكمك ! ] . فكتب إلى عمر بن سعد [ الكامل ] : الآن حين تعلّقته حبالنا * يرجو النجاة ولات حين مناص فناهضه . - وقال لشمر بن ذي الجوشن : سر بها إلى عمر بن سعد . فإن مضى لما أمر به وقاتل حسينا ، وإلّا فاضرب عنقه ، وأنت على الناس . وجعل الرجل والرجلان والثلاثة يتسلّلون إلى الحسين من الكوفة . وبلغ ذلك ابن زياد ، فخرج وعسكر بالنخيلة ، واستعمل على الكوفة عمرو بن حريث . وأخذ الناس بالخروج إلى النخيلة وضبط الجسر فلم يترك أحدا يجوزه . وعقد للحصين بن تميم الطهويّ على ألفين ، ووجّهه إلى عمر بن سعد مردّا له . فقيل : خرجوا إلى الحسين على دينارين دينارين . وقدم شمر بن ذي الجوشن الضبابيّ على عمر بن سعد بما أمره به ابن زياد ، عشيّة الخميس لتسع خلون من المحرّم سنة إحدى وستّين بعد العصر . فنودي في العسكر فركبوا ،
--> ( 1 ) أوس بن الأعور أو شرحبيل بن الأعور هو اسم ذي الجوشن - الجمهرة لابن حزم ، 287 .